عبد الرحمن بدوي
120
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال ثابت : قد علمت أيها الفيلسوف كون هذا العالم وأهله ، وأنه لا يحتمل الحق بكليته . فأنا أريد أن أسمع من الكلام ما يؤدى بعضه إلى الحمق ، وأرضى ببعضه بالطبع ، إذ كنت لنقصانى أعجز عن دفع قوى الطبيعة بأسرها . قال أحمد : إنه ليسرّنى أن أجد في هذا العالم من يتكلم بمثل هذا الكلام أو يهتدى إلى هذا النوع من السياسة . إذ كان العلم مرفوعا والرأي معدوما ، والعالم وأهله قد عادوا الحق وأهله ومعرفته حتى صاروا فيه معدومين ومما يضاده من الجهل والعمى مخصوصين . قال ثابت : بعلمك أيها الفيلسوف اهتديت ، ومن رأيك اقتبست ، فحسنى لك إذ كنت بك فيه اقتديت ، وقبيحى لي إذ كنت عن سيرتك تعديت . وأما العالم وأهله فكما وصفت ، إلّا أنك مصباحه المبين وشمسه المنير . وخليق لهذا الزمن أن يفتخر على سائر الأزمان بك ، إذ برّزت سبقا على من مضى ، واستحال في الوهم كون من بك يتساوى قال أحمد : دعني من الملق ، فإنما بغيتي عالم ولم أخالف فيه من بسيرة الحق « 1 » عارف ، إلّا أنى مضطر إليه كتشبث الطبيعة بي ، وأنا مبتهل إلى اللّه « 2 » الحق أن يعينني على نيّتى ويوفقني لمرادى العقلي ، لا المراد الطبيعي . قال ثابت : لست الذي احتاج أن أقف على السبب الذي منه اعتذرت ، وما تكره من نفسك فهو عند غيرك من الفلاسفة سيرة الحق ؛ إلّا أنك لما حويت الفضائل وأخذت بأزمّة الرشاد تستعظم اليسير من الخلل يكون منك . قال أحمد : أليس يعسر عملي بالعلم ، فكيف أستحق لشئ « 3 » من المدح ؟ ! قال ثابت : ذلك كما قلت . وكيف لا يكون كذلك وعلمك ما لا يتناهى ، وعملك محدود بمحدود في زمن محدود ! قال أحمد : إن فيما تطالب كشفه من العلم واسطة بين ما لا يتناهى وبين ما يتناهى .
--> ( 1 ) ص : من يسير بسيرة . . . ( 2 ) ص : إله . ( 3 ) ص : بشيء .